ابو القاسم عبد الكريم القشيري

287

الرسالة القشيرية

وقال علي بن أبي طالب ، رضى اللّه عنه ، : الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد . وقال أبو القاسم الحكيم : قوله تعالى : « وَاصْبِرْ » أمر بالعبادة ، وقوله « وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ » عبودية ، فمن ترقى من درجة « لك » « 1 » إلى درجة « بك » ؛ فقد انتقل من درجة العبادة إلى درجة العبودية . قال صلى اللّه عليه وسلم : « بك أحيا وبك أموت » . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، يقول : سمعت أبا جعفر الرازي يقول : سمعت عياشا يقول : سمعت أحمد يقول : سألت أبا سليمان عن الصبر ، فقال : واللّه ما نصبر على ما نحب ، فكيف على ما نكره ؟ ! . وقال ذو النون : الصبر : التباعد عن المخالفات ، والسكون عند تجرع غصص البلية ، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة . وقال ابن عطاء : الصبر : الوقوف مع البلاء بحسن الأدب . وقيل : هو الفناء في البلوى بلا ظهور شكوى . وقال أبو عثمان : الصبار : الذي عود نفسه الهجوم على المكاره . وقيل : الصبر : المقام مع البلاء بحسن الصحبة ، كالمقام مع العافية . وقال أبو عثمان : حسن الجزاء على عبادة : الجزاء على الصبر ، ولا جزاء فوقه ، قال اللّه عز وجل : « وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » « 2 » . وقال عمرو بن عثمان : الصبر . هو الثبات مع اللّه سبحانه وتعالى ، وتلقى بلائه بالرحب والدعة . وقال الخواص : هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة .

--> ( 1 ) أشار إلى التفرقة بين الصبر للّه ، والصبر باللّه . فالصبر للّه تشعر بالاستقلال بالفعل . والصبر باللّه تؤذن بالتبري من الحول والقوة . ( 2 ) آية 96 من سورة النحل .